قبل عدة أيام، وأثناء ترتيبي لأدراجي، تعثرت بشريط "امبارح كان عمري عشرين".. لمحمد منير... لم أعد أسمع الأغاني – رغم ندرة ما أسمع – منذ فترة، بعد أن اتجهت للأناشيد، امتلأت سيارتي بCDs للعفاسي وعبد القادر قوزع وسامي يوسف وآخرين.. أمرر على سمعي الأغاني أو الأناشيد التي كانت تعد "مرحلية" ومؤثرة في فترة ما، وما شكلته من نمط تفكير، وذكرى.. ببساطة نكتشف أننا نسمع الكلمات التي نرغب في أعماقنا أن تعيد "تشكيلنا".. ولكن، بأيدٍ خفية. لو قال لك أي شخص: عليك أن تتغير، فلن تفعل.. لكن.. جرب أن تدندن لحناً ما.. ردد كلمات ما.. ستجد أنك تصبحها بعد حين! وفيما يبدو لي، فإن كل الأشياء تدور في فلك الترجمة!! ما جعلني أكتب هذه المقالة بعد انقطاع، هي رغبتي الجامحة في استعادة الروح الشفافة التي تسللت من بين أصابعي.. روح الكلمات! بعد إصدار نبضات.. أحسست أني قطعت من يدي وريداً... وبعد أن سافرت صديقتي اللدودة آمال.. تملكني إحساس جامح بالفقد... وبعد......................! في إحدى المرات، أسمعني فواز أغنية روسية يحبها.. لحنها عذب، وصوت من تغنيها شفاف وصادق. وعلى ذمة أخي محمود – الذي ترجم لي الأغنية كاملة ترجمة حرفية – فإن المغنية ضريرة. شعورك وأنت تسمع الكلمات دون أن تعرف ترجمتها لا يوصف.. حتى وإن فقدت المعاني دربها إليك، فإن هناك درباً آخر يفتح لك بابه.. حفظت كلمات الأغنية قبل أن أعرف ترجمتها.. اكتفيت بـ"برستي برستي".. أي: سامحني.. سامحني. اليوم.. أحببت أن أتشاطر معكم الترجمة الكاملة للأغنية.. وأرجو أن أكون وفقت في ترجمتها الترجمة الصحيحة المعبرة، بناء على الجلسة المطولة التي قضيتها مع محمود لتحليل كل سطر.. فلنعتبرها ترجمة مبدئية.. لروح النص الذي سيتسلل إليكم تلقائياً.. فالكلمات هنا تفتح بابا آخر، ولكل منكم مفتاحه.
"برستي.. برستي" (اضغط للاستمــاع) سامحـني.. سامحني هذا اليوم على النافذة لم يأت الشتاء بعد ترقبُ عينيّ ما تحمل الريح من أول دموع القطار.. تلك التي تتجه إلى أين تتجه إلى حيث تكون **** الصيف الدافئ لملم أمتعته.. والبرودة اجتاحت كل شيء مرة أخرى.. هكذا يبدو أني أفقدك... إلى الأبد.. إلى الأبد **** سامحني.. سامحني كم أحتاج إلى احتضان عينيك في هذه اللحظة... .. وأنا أعرف أنك لن تأتي فلم يبق لي إلا المطر.. وحدي والمطر. **** أتذكر بيتك أتذكر نظراتك أتذكرك بجانبي وتحت هذا المطر أحنّ إلى الماضي لا بدّ أن أعود إليك! يبدو أننا التقينا لكي لا نكون أبداً لكي لا نكون معاً .. لا نكون إلى الأبد **** سامحني.. سامحني كم أحتاج إلى احتضان عينيك في هذه اللحظة... .. وأنا أعرف أنك لن تأتي فلم يبق لي إلا المطر.. وحدي والمطر. سامحني.. سامحني في الحلم أناديك.. لا تذهب ما كان انتهى.. لن نستعيده وها أنا وحدي.. والمطر وحدي والمطر.
الطريق طويلة إلى أبوظبي.. طويلة بما يكفي لأن يغتال الحريري في نفس اليوم.. 14 فبراير.. رفقة الطريق أبي وأمي وأخي محمد، بين صمت وكلام، وبين صيحات الشيخ كشك الذي أصر محمد على أن يكون مرافقنا في الرحلة إلى أن نصل إلى فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي.. مكالمات قصيرة مع الأديب الفلسطيني/ أنور الخطيب.. يسأل فيها عن خط سيرنا، ويطمئن على الجميع. أعود قليلا.. أتذكر فكرة استضافتي في أبوظبي.. أمسياتي قبل ذلك لم تتخط رأس الخيمة في محافل ومناسبات مختلفة، لم يكن أحدها اتحاد الكتاب في رأس الخيمة.. فترة ركود ثقافي بالنسبة لي ربما.. لا أدري.. كنت أنحت الصخر بحثا عن يد تمسح غبار اليأس.. رأس الخيمة أصبحت عروسا الآن.. شهقة واحدة لا تكفي لإحياء ما مات فينا قديما...!! الرسالة النصية التي أرسلت لي تحتفي بموافقة الاتحاد على استضافتي في أبوظبي.. كانت دهشة.. ولادة مفاجأة.. كان مؤمنا بالنبضات ربما أكثر مني.. يحس فينا شعاعا ينطلق من القلب إلى القلب.. يخترق اختراقا.. ويولد فيك طاقة هائلة تكفي لتجعلك ملتحما بالأرض والسماء وكل ما فيهما من كائنات... تكفي لأن تجعلك الكون كله. حضرت نبضاتي.. وقصائدي، وحملتني ودهشتي.. ونوتتي الموسيقية في إلقاء القصائد.. إلى هناك. تهنا قليلا، وصلنا المجمع الثقافي أولا، ثم الشقة التي يوجد فيها فرع الاتحاد.. صدمة نسبيا.. كلمة "اتحاد الكتاب" كان لها صدى أكبر من مجرد شقة سكنية.. تجاوزت ذلك عندما دخل الأديب أنور الخطيب بخطوات لا تسمع لها وقعا، وبابتسامة كريشة طائر.. وعينين شاردتين غائرتين في حزن مباح.. جاء مرحبا، متفائلا بما سيكون عليه هذا الليل.. وهذه الأمسية. متجاوزة لحظات الترقب والانتظار.. كانت الأمسية.. كانت نبضات. ... بالتأكيد.. أن أقوم بإلقاء النبضات على الملأ في أمسية.. يحتاج ذلك لأن أحضر نفسي أولا وأن أحضر الآخرين.. أو أتركهم يحضرون أنفسهم لها. وحده "أنور" كان يعرف تماما كيف يستقبل المرء فكرة عميقة بموجة صمت، وتأمل. أما أنا فلم أكن أملك تلك الشجاعة الكافية لأطيـل في قراءة النبضة ببطء.. هكذا.. لتتسرب مباشرة إلى الحاضرين. كنت في لحظة من الترقب.. أكثر منهم! وصلت النبضات إلى قلوبهم كما يبدو.. لكن بعضا منها نز بين الأسطر. في اليوم التالي.. كتبت بعض الصحف عن الاستضافة بخجل.. صحفية جريئة حضرت آآخر الأمسية.. كتبت ببساطة عنوانا يليق بالنبضات التي "استوعبتها".. (نبضات.. ورد وبطيخ). تفاجأت أول الأمر.. لكنني تجاوزته لأن النبضات.. وصلت.. دون أن تدري، بما كتبت للآخرين.. أجل.. نبضات هي مزيج من هذين معا.. مزيج من كل تلك الأشياء البسيطة التي لا نحس بها.. لكننا نترك نبضنا وحده.. يتذكرها.. النبض الذي يجعلنا كائنات من لحم ودم.. النبض الذي يلد روحنا مرارا وتكرارا.. ومن فرط انشغالنا ننساه ولا نعود نسمع دقاته.. هو ذلك النبض الذي أبحث عنه.. ويبدو أنه وصل. مرة أخرى، هكذا.. بدفء ربيع مقيم.. عندما علم الأديب أنور الخطيب، بأني أحضر لأمسية في اتحاد الكتاب في رأس الخيمة - تلت أمسية أبوظبي بأسبوعين تقريبا – قدم لي نصيحة ثمينة.. ما زالت ترن في أذني إلى اليوم.. "أعطِ كل نبضة حقها".. حصيلة أربع سنوات أو تزيد.. نبضات تصدر في كتاب، بتقديم.. وأبوة الأديب أنور الخطيب.. وبدمعة وابتسامة ودهشة وفكرة وأمنية وحلم.. وصلني متأخرا.. ويبدو أن خبر صدورها ما زال ينشر هنا وهناك.. وكم أتفاجأ عندما أقرأ خطأ مطبعيا يسمي أنور الخطيب بـ"أنور إبراهيم".. يسألني عن ذلك فأقول له: يبدو أنك "أبو" الأدباء!! خطأ مطبع غير مقصود.. يؤثر طبعا في القيمة المعنوية والروحية والأدبية، ولكنني ما زلت أعالجه بصورة النبضة.. بصورة ذلك الأب الحنون الذي افتدى بنبضة وريده، وأراه أبا روحيا فعلا للنبضات.. وإن إصدار كتاب واحد لا يعني أنها توقفت.. وأنها لن تستمر.. من رأس الخيمة إلى أبوظبي... مسافة لا يتسع لها النبض.. نبضات.. خطوة خطوة، كلمة كلمة.. أصدق من أن أقول إن هذا الكتاب الذي جمع تنهيدات أولئك الذين عبروا من الحرف إلى الحرف مجرد كتاب.. نبضات ليست نبضاتي وحدي.. بل فيها من كل قلب نبضة.. من قلبي إلى قلوبكم جميعا.. ومن قلوبكم جميعا.. إلى قلمي الذي أهداها إياكم.. بين دفتي كتاب. وفي النهاية ليس لي إلا أن أقول: رب صدفة..... فإن كانت نبضات "ورد وبطيخ".. عنوانا.. فهي أجمل عنوان يمكن أن أتشاطره مع فواز.. ونسرح فيه طويلا، بين وردة بيضاء، وكأس من عصير البطيخ الذي يفضله، ليكون أشهى بين شفتين ترسمهما ابتسامة حب. هي.. نبضاتكم إذن... هي نبضاتنا جميعا. 

ألم تتساءل يوما بأن الناس ليسوا إلا مزيجا فريدا من هذين الكائنين على تنافرهما! ألم تحس من قبل بأن ذلك الواقف أمامك.. ذلك الأخ.. ذلك الصديق.. ذلك الحبيب....... لا يطــــاق!!! في لحظة ما، يتعكر صفو الماء، وتغرق الصور المبهجة في توترات وتذبذبات متعبة.. أنتَ أنت.. أم أنه هوَ.. هو! يصبح منطقيا أن تردد الآن قول أحد الفلاسفة: "الإنسان ما ليس هو.. لا ما هو هو". ربما لا يعني ذلك أن تتحول 180 درجة بآرائك وتوجهاتك واهتماماتك.. وأن تلغي كل ما قبل هذا التحول.. فما يدريك متى تنقلب الزاوية مرة أخرى، ومتى يذوب توتر الماء، ويعود إلى صفوه! إننا ببساطة تلك الكائنات الباحثة عن "تنظيف" أعينها مما ترى، بحثا عما هو أبعد وأبعد.. مهما بدا قاسيا مؤلما.. رغبة في افتعال الألم، أو رغبة في تصور ما يكون وراء المدينة الفاضلة التي ننتمي إليها.. وحدنا! أو ربما هو ذلك الإحساس بالوحشة القاتلة من أن ترى كل الأمور بخير دائما.. فما طعم الخير إن لم يكن الشر يتربص بك في كل خطوة! إننا كائنات التناقضات.. كائنات كل شيء ولا شيء معا.. لعلي ألجأ إلى سؤال يقتل كل شيء حيّ: يا ترى.. في الظلمة، هل يبدو لنا الماء عكراً؟! من هذا المنطلق أيضا.. أتذكر ما قاله لي قديما أحد رفقاء الحرف، بأن عليّ تشاطر أفراحي وأتراحي وفشلي ونجاحي مع الآخرين "فيفتي فيفتي".. فلست مسؤولة عن كل شيء دفعة واحدة.. بخيره وبشره.. إننا كائنات فريدة من نوعها، مستقلة ومتحدة في آن واحد.. بإمكاننا ببساطة التخلي عنا وعنهم، وبإمكاننا ببساطة مماثلة أن نرجع كل الفضل إلينا دونهم.. والعكس! هكذا يكون الكأس نصف فارغ ونصف ممتلئ.. وهكذا تكون الزوبعة في فنجان.. وهكذا تعكر الحصاة سطح الماء.. وهكذا نحن.. وهكذا هم.. فتصفـّح وجهك على الماء جيدا يا رفيقي...! 

![]()


لا يفلح الكاتب في الحديث عن نفسه.. فيترك كتاباته تتحدث عنه، ويترك نبضه نازفا على إسفلت المسافة.. فيحلّق شعراً ونثراً ويصمت متأملاً ما لا يمكن لتلك الوجوه التي تترقب ولادة الكلمات على شفتيه أن تستوعبه.



























